تقارير الجزيرة المرئية على التلفاز والمكتوبة على الإنترنت تعكس وجه نظر فاقدة تماماً للموضوعية وعدم الإنحياز المطلوبين من جهات الأخبار المسؤولة.
أولاً، المفاوضات بين أي طرفين تتضمن -ضرورياً- تنازلاً من كِلا الطرفين، وفي أثناء عملية التفاوض يعرض الطرفان أُطروحات مبدئية ويتم تعديلاها سِجالاً بين الطرفين في أثناء التفاوض، ولا تحمل هذه العروض أو الأطروحات أي وزن حتى يتم الإتفاق الكلي في نهاية التفاوض. هذا المبدء بديهي يعرفه كل من ذهب إلى سوق شعبية وتفاوض على سعر سلعة مع البائع (المفاصلة). أما للأسف، فإن الجزيرة في تغطيتها لا تنشر إلى ما يطرحه المفاوضون الفلسطينيون وتعرضه وكأنه أمر نهائي ومتفق عليه. هذا ما يجعل القارئ للأخبار يظن أن الفلسطينيين يقدمون التنازلات لإسرائيل بدون أي طلبات. وأنا أعتقد أن التغييب لإطروحات الجانب الإسرائيلي التي يرفضها الفلسطينيين مقصود لأن الوثائق الأصلية (المنشورة على موقع الجزيرة) تظهرها.
ثانياً، معظم تقارير الجزيرة تأخذ ما قاله المفاوضون خارج سياق النقاش لِيَتَغير معناه، وهذا كمن إكتفا بقول الله “لا تقربوا الصلاة” ولم يكمل قراءة الأية. فمثلاً الخبر الأول على موقع الجزيرة الآن هو أن عباس كان عالماً بالحرب الوشيكة على غزة، ولكن هذا الخبر يتجاهل كلياً أن السجلات تظهر أن هذا العلم كان في سياق أن إسرائيل طرحت على عباس أن تصفي حماس في غزة وقال رافضاً أنه لن يأتي إلى غزة على ظهر الدبابات الإسرائيلية.
ثالثاً، الكلمات التي تستعملها الجزيرة في “التقارير الإخبارية” مشبعة بالرأي والإنحياز. خذ مثلاً الربط بين الجُمل بعبارة “الأدهى من ذلك” – إن المهنية تطلب صياغة الأخبار بكلمات موضوعية غير منحازة حتى يتسنى للقارئ والسامع تكوين أرائهم الخاصة.
بشكلٍ عام، إذا كانت الجزيرة فعلاً موضوعية وغير منحازة فعليها تغطية السجلات المسربة من كل جوانبها مع الأخذ بالسياق، وليس فقط العمل على إظهار السلطة بضوء سييء وأخذ بعض المقتطفات خارج النص العام. وبالمناسبة، الكثير من ما يتم عرضه كأنه يحصل لأول مرة في التاريخ كان قد تم الإعلان عنه جهراً في إطار محاولات كلينتون في نهاية القرن الماضي.
بالنسبة لي، فقد خسرت إحترامي للجزيرة كقناة أخبار مهنية أو موضوعية. فهذه التغطية الأخيرة أثبتت لي العكس.
